بِقلم| حسام خضرا
عام مضى على احتجازي في أحد مراكز استقبال المهاجرين في إحدى الجزر اليونانية المعزولة الواقعة في بحر إيجه، بعد أن دخلت البلاد بطريقة غير شرعية من خلال تركيا طمعاً في مستقبل أفضل من ذلك الذي كان يبدو بلا ملامح في وطني الأم.
في منتصف ليلة ديسمبرية باردة توغلت في البحر ومعي أكثر من أربعين مهاجراً. حتى تلك اللحظة وقبل أن نقع في قبضة خفر السواحل اليونانية كنت أحتفظ بداخلي ببعض الحرية التي لطالما نازعت من أجل الحصول عليها، ولم أكن أدرك أن تلك اللحظة هي التي سأتخلى فيها عن كامل حريتي وأبدأ فصلاً جديداً من حياة قاتمة بلا ملامح لا أعلم عن ماهيتها شيء.
ما إن دخلت مركز الاستقبال الذي كان رابضاً فوق أحد الجبال الشاهقة في تلك الجزيرة الخرساء حتى أصابني الذهول من حجم المعاناة، فجسدي كان محنطاً بفعل ملح مياه البحر، كما كان المخيم خالياً من الموظفين حتى اضطررنا إلى الانتظار يوماً كاملاً إلى حين قدومهم لنخرج من ضيق الحجز إلى قذارة مركز الاستقبال.
على مدار عام كامل أمضيته داخل أروقة المخيم أدركت الكثير من الأشياء التي فاقت قدرتي على الاحتمال. فأدركت أول ما أدركت أن مخيمات اللجوء في اليونان ما هي إلا مدرسة سلبية لا يمكنك حتى قضاء ساعة في إحداها دون أن تصبح منحرفاً، فالمخيمات لا يمكنها أن تقدم للإنسان أي شيء إيجابي، إنها فقط تعمل على إفساد أخلاق أي شخص مهما علا شأنه.
كما أدركت جيداً أن البرد هو الوسيلة الأكثر نجاعة لإفساد الإنسان. ومن المحتمل أن اللاجئين في ألمانيا كانوا أكثر إنجازاً واحتمالاً لأن الدولة وفرت لهم الدفء داخل مراكز الاستقبال.
أما عن سياسة الإحترام، فقد وقر في أعماقي أن احترام الذات داخل مخيمات اللاجئين أمر فظيع، فمن الأفضل لك أن تسرق بدلاً من أن تطلب، لأن الإحترام هو ما جعل الكثير من اللاجئين يغرقون في القاع.
أما عن الحرية فلا تسأل، فقد أدركت أن الانتقال من حالة السجين إلى حالة الإنسان الحر صعبة للغاية طالما أنك قضيت جزءاً من حياتك داخل مخيمات اللجوء في اليونان، بل إن الأمر قد يبدو درباً من المستحيل.
وعن الأديان، فقد شاهدت أن المجموعات الإنسانية الوحيدة التي كانت قادرة على الحفاظ على أدنى حد من الإنسانية في ظروف الجوع والبرد هم المؤمنون بالأديان، أما الإنسان العادي فقد كان أقل قدرة على الاحتمال.
أما عن طول المدة في الحياة داخل المخيم، فقد أدركت أن الشعورين الوحيدين اللذين يدفعان الإنسان إلى العيش طويلاً داخل المخيمات هما الحقد واللامبالاة، فقدرة الإنسان على الاحتمال تزداد في ظل وجود المشاعر السلبية.
كما أثارني التفكير في سؤال: لماذا ينقطع الأمل لدى المهاجرين داخل المخيمات في اليونان؟. لأنه ليس هناك أي أمل في الخلاص القريب، والإرادة الحرة في ظروف كتلك الموجودة في المخيمات حافز جيد للانتحار. إنهم يعيشون على الغريزة وشعور حفظ الذات، وهو النمط ذاته لحياة الشجر والحيوانات.
وعن الصداقات، فهي منتهية بانتهاء دراسة طلب اللجوء، فالصداقة لا تنشأ أبداً في الظروف السيئة.
ونهاية الأمر، أنا لا أتحدث عن نفسي لأنه يجب على الكاتب أن يكون غريباً تجاه المواضيع التي يتعامل معها، وإذا كان يكتب بشكل جيد فسيكتب بطريقة لا يفقهها أحد.






