بقلم/ حسام خضرا

حالات شد وجذب شهدتها اليونان منذ وصول حزب نيا ذيموقراطيا اليميني إلى السلطة في يوليو 2019، خاصة فيما يتعلق بملف اللاجئين والمهاجرين داخل البلاد. وفي ظل حالة الاحتقان التي تشهدها مراكز الاستقبال المكتظة في الجزر اليونانية والوعود التي قطعتها الحكومة الجديدة على مدار الأشهر السبعة الماضية بهذا الصدد، إلى جانب إقرار البرلمان لقانون جديد للجوء داخل البلاد، والذي كان بمثابة قشة الأمل التي تعلق بها آلاف اللاجئين العالقين داخل اليونان بسبب تأخير النظر في طلبات لجوئهم.
فمنذ بداية يناير الحالي كان من المفترض أن تبدأ الحكومة اليونانية بتنفيذ قانون اللجوء الجديد الذي لاقى انتقادات واسعة من قبل منظمات حقوق الإنسان، والذي كان يقوم على قرارات تتعلق بتسريع إجراءات اللجوء في البلاد والتي أصبحت تمتد لسنوات كثيرة، ونقل اللاجئين من مراكز الاستقبال المكتظة في جزر بحر إيجه إلى البر الرئيسي، إلى جانب إقامة مراكز احتجاز جديدة للأشخاص الذين يتم رفض طلبات لجوئهم تمهيداً لترحيلهم إلى تركيا وفقاً للاتفاق الذي تم بين أنقرة والاتحاد الأوروبي في 2016، كما ينص القانون الجديد أيضاً على فرز الوافدين إلى اليونان بين لاجئين ومهاجرين.
لكن ومنذ قدوم كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى قمة هرم السلطة في اليونان لم يتغير شيء على أرض الواقع في هذا الملف، وكانت الأشهر الماضية عبارة عن حرب اتهامات بين الحكومة الجديدة بزعامة حزب نيا ذيموقراطيا، والمعارضة المتمثلة بحزب سيرزا اليساري. فالحكومة تتهم حزب سيرزا الذي كان يمسك بزمام السلطة في السابق بالفشل في إدارة هذا الملف، كما يوجه حزب سيرزا الاتهام ذاته للحكومة الجديدة، بينما يبيت اللاجئون على بوابات مراكز اللجوء في أرجاء اليونان منتظرين بارقة أمل قد تغير الواقع المؤلم الذي جعلهم يلعنون كل أشكال الديمقراطية الأوروبية التي اكتشفوا زيفها فور وصولهم إلى دولة الاستقبال الأول في الاتحاد الأوروبي.
وتتلخص مشاكل اللاجئين في اليونان بتعطيلهم لسنوات قبل البت في طلبات لجوئهم، وتعطيلهم لأشهر قبل الوصول إلى المكان الذي يمنحهم الحق في طلب اللجوء، إلى جانب معاناتهم في الوصول إلى المنظمات التي تساعدهم في الحصول على المساعدة المالية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي، وعدم حصول غالبيتهم على الإيواء المناسب، كما انضم إلى تلك القائمة مؤخراً توقف الحكومة اليونانية عن إصدار أرقام الضمان الاجتماعي للاجئين، مما يحرمهم من المساعدات الاجتماعية الضرورية كالإقامة والتأمين والرعاية الطبية.
وأغلب الظن أن كل تلك المعيقات والعراقيل لم يتم وضعها إلا لهدف واحد، هو وقف تدفق اللاجئين والمهاجرين إلى اليونان. لكن وعلى الرغم من ذلك لا يزال المئات من اللاجئين يدخلون إلى البلاد بشكل شبه يومي، وهذا كفيل بإيصال رسالة مفادها أن كل هذه الإجراءات العقابية بحق اللاجئين لن تثنيهم عن محاولة الوصول إلى اليونان. فمثل هذه العقوبات قد تكون درباً من الرفاهية بالنسبة لما يعانيه هؤلاء اللاجئين في بلدانهم التي تعتمد الموت البطيء كعقوبة مخففة بحقهم.
لذلك وفي ظل كل ما سبق، فإن ما يتعرض له اللاجئين من عقوبات قاسية بهدف ردعهم عن التدفق إلى اليونان ودفعهم للعودة الطوعية إلى بلدانهم، ما هو إلا سياسة فاشلة لا يعتمد عليها إلا حكومة مراهقة لا تعلم عن السياسة إلا تعريفها من خلال موسوعة ويكيبيديا. فالخيار السياسي الجدي يتمثل بإيجاد منظومة آدمية للتعامل مع هذا الكم من اللاجئين، سواء من خلال المساعدة في إيجاد حلول لتلك الحروب الطاحنة التي تشهدها بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا، أو التعامل مع الأمر الواقع الذي فرضته تلك الحروب على ملايين البشر الذين عاشوا في بلدانهم واقعاً أسوأ مما رأوه في أسوأ كوابيسهم.
وبالنسبة لرأيي الشخصي فإنه لو قام ميتسوتاكيس وأعضاء حكومته باجتياز الطريق البري الذي يفصل بين تركيا واليونان سيراً على الأقدام لعلموا جيداً أن من خاض هذا الطريق في حرائق أغسطس وزمهرير ديسمبر، لن تصنع منه مخيمات اللجوء في اليونان إلا شخصاً متوحشاً يعتمد الميكيافيلية كنموذج للحياة. فالحكومة اليونانية بهذه السياسة تخلق وحوشاً آدمية منزوعة الإنسانية لأن الإنسان إبن لهذه الحياة وليس صعلوكاً ينال من كرامته طابور الطعام المهين داخل المخيم.





