بعد تسع سنوات من أزمة اقتصادية طاحنة واقتراب الدولة من شبح الإفلاس، عادت مؤشرات الاقتصاد اليوناني إلى التوقعات المتفائلة، حيث تتوقع الحكومة أن ينمو الاقتصاد بنسبة 2.8 في المئة خلال عام 2020، مع احترام التعهدات المالية لدائني البلاد، كما توقعت مؤسسة ستاندرد أند بورز، أن يبلغ معدل النمو الاقتصادي اليوناني 2.5 في المئة خلال الفترة 2019- 2022 بسبب تعافي الطلب المحلي.
كما توقع صندوق النقد الدولي في نهاية سبتمبر الماضي أن يبلغ معدل نمو اقتصاد اليونان لعامي 2019 و2020 نحو 2 في المئة، حيث يستفيد النمو على المدى القريب من الانتعاش الدوري وتحسن معنويات السوق والمستهلكين، الأمر الذي يجب أن يترجم إلى زيادة الاستثمار.
وكانت ستاندرد أند بورز قد رفعت تصنيف اليونان للديون الخارجية في أكتوبر الماضي درجة واحدة بدلاً من +B، استناداً إلى توقعات محسنة للموازنة وتوقعات النمو القوية، ما جعل اليونان أقل بثلاث درجات فقط من الدرجة الاستثمارية المطلوبة.
وحافظت الوكالة على توقعاتها الإيجابية للاقتصاد اليوناني، وجاء ذلك في الوقت الذي رفعت فيه وكالة التصنيف الألمانية سكوب التصنيف إلى BB من – BB مع نظرة إيجابية أيضاً. ويدعم هذه التوقعات تقديم اليونان طلباً لسداد جزء من قروض صندوق النقد الدولي قبل تاريخ استحقاقه في سبتمبر الماضي.
وكانت البورصة اليونانية واحدة من أفضل البورصات أداء في العالم العام الماضي، لاسيما بعد تحسن أداء أسهم القطاع المصرفي بقوة، حيث كان الأفضل أداء بين جميع القطاعات، وتضاعفت قيمة أسهمه في أقل من 12 شهراً.
وعلى الرغم من أن البنوك اليونانية مثقلة بكمية ضخمة من القروض المتعثرة بلغت نحو 75 مليار يورو، وهو ما يعادل نحو 40 في المية من إجمالي قروض البلاد، ونجحت اليونان في تخفيف ثقل تلك الديون على تقييم الأسهم.
وفي أغسطس 2018، أنهت اليونان برنامجها المالي الثالث للإنقاذ، منهية بذلك 8 سنوات من خطط التقشف والإصلاحات وتقليص برامج الرعاية الاجتماعية، مقابل الحصول على قروض ضخمة للخروج من أزمتها المالية وكسادها الكبير.
وكانت اليونان قد حصلت من صندوق النقد وشركائها في منطقة اليورو في أعقاب الأزمة الحادة، على مساعدات قدرت بنحو 289 مليار يورو، استلمتها على ثلاث حزم مساعدات في الأعوام 2010 و2012 و2015، بعد اندلاع أزمة الديون عام 2010 في أعقاب الأزمة المالية عام 2008. وفي المقابل اضطر اليونانيون إلى تطبيق مئات الإصلاحات المؤلمة، وكان هدفها الأساسي تصحيح مسار المالية العامة للدولة.
وساهمت تلك الحزم في تحسن الكثير من مؤشرات الاقتصاد الكلي خلال الفترة الماضية، حيث تراجعت البطالة من 26 في المئة في بداية الأزمة، إلى 18 في المئة، كما حققت الموازنة العامة بنهاية العام الماضي فائضاً أولياً نسبته 4.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إذا استثنينا فوائد الدين العام.
وفي أول إصدار سيادي منذ 10 سنوات، طرحت الحكومة في مارس الماضي سندات بقيمة 2.5 مليار يورو، فاقت طلبات الاكتتاب قيمتها 5 أضعاف الطرح، وفر أبريل الماضي هبطت فوائد تلك السندات إلى أدنى مستوى من 14 سنة إلى 3.27 في المئة، بعدما كانت قد ارتفعت فوائد العشر سنوات إلى 30 في المئة في ذروة الأزمة، ما يشير بوضوح إلى عودة ثقة المستثمرين بالسندات اليونانية والمستقبل الاقتصادي بصفة عامة.
سمحت هذه النتائج بخروج اليونان العام الماضي، من تحت الوصاية المالية التي فرضت على البلاد من قبل الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، والمشروطة باستمرار تحقيق فائض أولي في الموازنة بنسبة 3.5 حتى عام 2022.
واعترافاً بهذا النجاح، وافق وزراء مالية منطقة اليورو في أبريل من العام الماضي على منح اليونان 970 مليون يورو في إطار برنامج ما بعد خطة الإنقاذ لمراقبة الإصلاحات بأثينا. وتعد المنحة الدفعة الأولى من حزمة إنقاذ بقيمة 4.8 مليار يورو تعهد بها دائنو منطقة اليورو لليونان حتى عام 2022، في إطار برنامج ما بعد الإنقاذ في أثينا.
وتأتي موافقة وزراء مالية منطقة اليورو على هذه المنحة بشرط احترام اليونان تعهدات الإصلاح الخاصة بها، وخصوصاً القانون المتعلق بتعافي المصارف من الديون، الذي يستهدف خفض عبء الديون المشكوك في سدادها بميزانيات المصارف اليونانية.
وفي إطار سعيها نحو التخلص من أزمة الديون المصرفية، أطلقت الحكومة اليونانية برنامجاً أطلقت عليه إسم “مشروع هيراكليس”، الذي يتضمن مزيجاً معقداً من التوريق وضمانات الدولة، وتتعهد فيه الحكومة بإتاحة ضمانات بنحو 12 مليار يورو للمقرضين، بعد تصنيف القروض إلى شرائح وفقاً لدرجة خطورتها، وستضمن الحكومة الشريحة الممتازة، بينما ستكون الشرائح المتوسطة والدنيا أقل تمتعاً بالحماية، وستبقي البنوك على الشريحة الممتازة فقط في موازناتها، بينما تورق الشريحتين المتوسطة والدنيا وتبيعها للمستثمرين.





